اسماعيل بن محمد القونوي
446
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( تقرر إمكانه وتنفي استبعاده على ما مر غير مرة ) أي إمكان ما أنكروه أي علم الغيب له مدخل في بيان إمكانه إذ قد تقرر في سورة البقرة أن صحة الحشر مبنية على ثلاث مقدمات وعد منها العلم وإنما قال إمكانه ولم يقل وقوعه لأن ما ذكر إنما يفيد إمكانه وصحته دون وقوعه ووقوعه يعلم بإخبار الشارع بعد ثبوت إمكانه وأيضا المنكرون إنما ينكر إمكانه ويدعون استحالته وامتناعه ولا يقال ولم يقل يقرر وقوعه اقتصارا على مقدار الكفاية في رد استبعادهم لما عرفت أن هذا لا يثبت وقوعه ( وقرأ حمزة والكسائي عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ سبأ : 48 ] للمبالغة ونافع وابن عامر ورويس عالم الغيب بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره لا يَعْزُبُ [ سبأ : 3 ] ) الآية . قوله : ( لا يَعْزُبُ عَنْهُ [ سبأ : 3 ] ) أي لا يبعد عن علمه والعزوب البعد وحاصله لا يخرج عن علمه قال في تفسير قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ [ سبأ : 3 ] ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه وإنما قلنا وحاصله لأنه عدم البعد عنه تعالى كناية عن كونه معه كقوله تعالى : وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ محمد : 35 ] ومعنى واللّه معكم وعلمه تعالى محيط بكم مِثْقالُ ذَرَّةٍ [ سبأ : 3 ] موازن نملة صغيرة أو هباء في السماوات والأرض أي في الوجود لأن السماوات والأرض عبارة عن جميع الموجودات عبر بقطري العالم عن كله فإن العامة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما ولا متعلقا بهما وقد مر التفصيل في سورة يونس وتقديم السماوات لعلوها وأما تقديم الأرض في سورة يونس فلسبب بينه المصنف هناك ( وقرأ الكسائي لا يعزب بالكسر ) . قوله : ( وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ [ سبأ : 3 ] جملة مؤكدة لنفي العزوب ) من ذلك المشار إليه مثقال ذرة معتبر أيضا في وَلا أَكْبَرُ [ سبأ : 3 ] من مثقال ذرة إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سبأ : 3 ] وهو اللوح المحفوظ جملة مؤكدة أي جملة برأسها غير معطوفة على ما قبلها سواء قرىء بالرفع أو النصب قوله لنفي العزوب كأنه قيل كيف يتوهم العزوب وهو في اللوح المحفوظ لكن يرد عليه أنه ما لا يعزب عنه مثقال ذرة وما في اللوح المحفوظ أصغر من مثقال ذرة وأكبر منه فكيف يؤكده إلا أن يقال بالاستلزام . قوله : ( ورفعهما بالابتداء ) أي ليس بالعطف لما سيجيء ومراده أن رفع أصغر قوله : وقرأ الكسائي لا يَعْزُبُ [ سبأ : 3 ] بالكسر قرأ الكسائي ههنا وفي يونس بالكسر والباقون بالضم وهو من العزوب وهو البعد يقال روض عزيب أي بعيد من الناس والمعنى لا يبعد ولا يغيب عنه مثقال ذرة أي مقدار أصغر نملة الذر صغار النمل والواحدة ذرة ولفظ ذلك في وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ [ سبأ : 3 ] إشارة إلى مثقال ذرة قوله جملة مؤكدة لنفي العزوب أي قوله : وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سبأ : 3 ] جملة مؤكدة لمضمون جملة لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ [ سبأ : 3 ] وجه التأكيد أنه إذا كان كل شيء من صغير وكبير مسطورا في اللوح المحفوظ يلزم أن لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض قال صاحب الكشاف وهو كلام منقطع عما قبله .